القاضي عبد الجبار الهمذاني
110
تثبيت دلائل النبوة
فإن قيل لكم ومن أعطاكم ان دين المسيح خلاف دين النصارى ، وأنهم قد خالفوه ؟ قلنا : من تأمل الامر وجدهم أشد الناس خلافا عليه واطّراحا لوصاياه في الأصول والفروع جميعا . فأما في الأصول فقد آمنوا وعبدوا ثلاثة آلهة وثلاثة أرباب كما قدمنا وتبيّنا ، ولا يختلفون في أن المسيح عيسى بن مريم ليس بنبيّ ولا عبد صالح ، وأنه إله حق من إله حق من جوهر أبيه ، وأنه إله تام من إله تام ، وانه خالق السماوات والأرض والأولين والآخرين ورازقهم ومحييهم ومميتهم وباعثهم وحاشرهم ومحاسبهم ومثيبهم ومعاقبهم . وقد ذكرنا ما يقوله النسطورية من أنه إله مركب من نوعين / وطبيعتين ، وبيّنا ما يرومونه من المغالطة . فإن قالوا : فإنا لا نفرد واحدا « 1 » من هذه الآلهة بالعبادة بل نعبدها كلها بعبادة واحدة ، قيل له : ان هذا لا يخرجكم من أن تكونوا قد أشركتم في القدم وأشركتم في العبادة ، ولا يقدح فيما حكيناه عنكم ، لأنه يصح ان نعبد مائة الف معبود بعبادة واحدة . وعلى انا نجدكم تفردونها وكل واحد منها بالانعام والايمان كما هو مذكور في تسبيحة الايمان وتسبيحة القربان ، وتفردونها أيضا بالصنع والأفعال والخلق والتدبير ، كما قلتم فيما كان منها من الافعال حين عمّده يحيى مما تقدم ذكره ، وتقولون ان النازل من السماء حتى صار في بطن المرأة وصار هو وابنها بالاتحاد الذي فعله إلها واحدا ومسيحا واحدا ، وانه هو الذي اظهر الآيات في الأرض ، وهو المقتول المصلوب ، وهو الذي أحيا نفسه بعد الموت ، وصعد إلى السماء ، وجلس عن يمين أبيه . فهذه الافعال كلها الابن فعلها لا الأب .
--> ( 1 ) في الأصل : واحد